شهادة شمعون ليفي: تاريخ اليهود المغاربة، نضال ضد الصهيونية ورفض للتهجير
مقدمة التاريخ والذاكرة
في مارس من عام 2008، أجرى الصحفي عبد الإله سخير حواراً مع شمعون ليفي؛ رئيس المتحف اليهودي بالمغرب، والأستاذ الجامعي، والمناضل اليساري البارز في حزب التقدم والاشتراكية. حكى ليفي، الذي ولد عام 1934 ووافته المنية في 2011، تاريخ اليهود في المغرب، وعلاقتهم بالسلطة، ومأساة تهجيرهم إلى إسرائيل.
يقول شمعون ليفي: "دخلت الديانة اليهودية إلى المغرب حسب ما ترويه المعتقدات الشعبية مع الفينيقيين. والمؤكد تاريخياً عبر حجج مكتوبة، كأحجار القبور في (وليلي) ونصوص أخرى من العهد الروماني، أن عمر الوجود اليهودي بالمغرب يقدر بحوالي 2000 عام. أما الديانة اليهودية في حد ذاتها، فلها أكثر من 3000 سنة، أي قبل حكم الملك داوود".
التوزيع الديمغرافي لليهود في المغرب (بداية القرن العشرين)
تمركز اليهود بكثرة في المدن بنسب متفاوتة، كما تواجدوا في البوادي وجبال الأطلس والريف. وبحلول عام 1948، بلغ مجموعهم حوالي 270,000 نسمة، أي ما يعادل 2.5% من مجموع ثمانية ملايين مغربي آنذاك. وتوزعوا كالتالي:* **الصويرة:** شكلوا 50% من الساكنة.
* **دبدو:** بلغت نسبتهم 70%.
* **صفرو:** حوالي 50%.
* **الدار البيضاء:** 80,000 نسمة.
* **مراكش:** 25,000 نسمة.
* **فاس ومكناس:** 15,000 و10,000 نسمة على التوالي.
العلاقة التاريخية مع سلاطين وملوك المغرب
كانت الأقلية اليهودية حساسة تجاه مواقف الملوك، إذ أثرت تلك المواقف بشكل مباشر على حياتهم اليومية. اتسم تمركزهم بالقرب من القصور الملكية لسببين: أمني، ومهني لارتباط حرفهم (كالحياكة وصياغة الذهب) بمتطلبات القصر.فترات تاريخية عصيبة
رصد ليفي فترتين صعبتين في تاريخ العلاقة مع الحكم:1. **عهد الموحدين:** الذين فرضوا رؤية متشددة، مما اضطر اليهود لإخفاء عقيدتهم أو التظاهر بالإسلام، وفرض عليهم لباس خاص لتمييزهم. وانتهت هذه الفترة بوصول بني مرين الذين أعادوا لهم حريتهم ومناصبهم.
2. **عهد المولى اليزيد (1790-1792):** الذي اتسم حكمه بالعنف وتأثر بالمذهب الوهابي، فقام باضطهاد اليهود ومصادرة أموالهم وطرد سكان "ملاح فاس". وانتهت هذه المأساة بتولي المولى سليمان الحكم، الذي لقبه اليهود بـ "السلطان العادل".
أما بنو مرين والسعديون والعلويون، فقد عرفوا كيف يتعاملون مع اليهود، حيث فتحوا أمامهم المجال الاقتصادي وحموهم مقابل "الجزية".
الدور الاقتصادي والاجتماعي لليهود المغاربة
لعب اليهود دوراً محورياً كوسطاء في العلاقات الدولية والتجارة الخارجية بين المغرب وأوروبا، نظراً لقدرتهم على تعلم اللغات الأجنبية (خاصة الإسبانية). كما برعوا في:* **الصناعة التقليدية:** الخياطة، النحاس، ومعالجة المعادن النفيسة.
* **الصرافة والقروض:** في وقت لم تكن فيه مؤسسات بنكية.
* **الفلاحة:** خاصة في مناطق (أيت واكزيت) و(أيت بوكماز) بالأطلس الكبير، حيث كانوا يملكون الأراضي ويتحدثون الأمازيغية.
اليهود والحركة الوطنية ضد الاستعمار
مع بداية الحماية الفرنسية عام 1912، بدأ الشباب اليهودي المتنور يتساءل عن هويته. ويؤكد ليفي أن جزءاً هاماً من هؤلاء الشباب التقى في الرؤى مع الحركة الوطنية المسلمة، ورفضوا الاعتماد على الحماية الفرنسية لمواجهة خطر النازية، مفضلين الدفاع عن وطنهم المغرب.موقف الملك محمد الخامس
يتذكر ليفي بفخر موقف الملك الراحل محمد الخامس الذي رفض تطبيق قوانين حكومة "فيشي" العنصرية ضد اليهود، وقال قولته الشهيرة: "إذا مسستم بكرامتهم، فأنتم تمسون بكرامتي".
مأساة التهجير والمؤامرة الصهيونية
يوضح شمعون ليفي أن عملية التهجير لم تكن برغبة ذاتية من جميع اليهود، بل كانت نتيجة تظافر عدة عوامل:1. **الضغوط الصهيونية:* التي خططت للتهجير بمساعدة سلطات الحماية الفرنسية.
2. **الانهيار الاقتصادي:* تضررت الحرف التقليدية اليهودية (مثل صناعة السقلي) بسبب انفتاح الجمارك على المنتجات الأوروبية البلاستيكية والاصطناعية، مما أغرق سكان "الملاح" في الفقر وجعلهم لقمة سائغة للإغراءات الصهيونية.
3. **أحداث جرادة ووجدة:** التي اعتبرها الوطنيون اليهود من صنع الفرنسيين لإرهاب اليهود ودفعهم للرحيل.
واقعة "إيليغ" المؤثرة
يروي ليفي واقعة حدثت في الستينات بقرية (إيليغ) في الأطلس الصغير، حيث اعترض المسلمون حافلات ترحيل جيرانهم اليهود وهم يبكون ويصرخون: "نعيش معاً منذ قرون، لا تأخذوهم"، مما اضطر الحافلات للعودة فارغة.النضال السياسي والاعتقال (أحداث 1965)
يتحدث ليفي عن انخراطه في الحزب الشيوعي المغربي (الذي أصبح لاحقاً حزب التحرر والاشتراكية)، مؤكداً أن الفكرة الوطنية كانت متجذرة لدى اليهود المغاربة.تعرض ليفي للاعتقال في 23 مارس 1965 عقب مظاهرات تلاميذ الدار البيضاء. ويصف تلك التجربة قائلاً: "بقيت 5 أيام في المعتقل السري تحت التعذيب، وخرجت بكسور في الكتف واليد، لكنني كنت منتصراً معنوياً لأنني لم أبح بأسرار رفاقي". ويرفض ليفي مصطلح "سنوات الرصاص"، مفضلاً وصف جيله بـ "المكافحين والمناضلين السياسيين".





